محمد متولي الشعراوي
765
تفسير الشعراوي
الصوم لا يختلف من زمن إلى آخر ، فقد كان الصيام الركن التعبدي موجودا في الديانات السابقة على الإسلام ، لكنه كان إما إمساكا مطلقا عن الطعام . وإما إمساكا عن ألوان معينة من الطعام كصيام النصارى ، فالصيام إذن هو منهج لتربية الإنسان في الأديان ، وإن اختلفت الأيام عددا ، وإن اختلفت كيفية الصوم ويذيل الحق الآية الكريمة بقوله : « لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » . ونعرف أن معنى التقوى هو أن نجعل بيننا وبين صفات الجلال وقاية ، وأن نتقى بطش اللّه ، ونتقى النار وهي من آثار صفات الجلال . وقوله الحق : « لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » أي أن نهذب ونشذب سلوكنا فنبتعد عن المعاصي ، والمعاصي في النفس إنما تنشأ من شره ماديتها إلى أمر ما . والصيام كما نعلم يضعف شرّة المادية وحدتها وتسلطها في الجسد ، ولذلك يقول صلى اللّه عليه وسلم للشباب المراهق وغيره : « يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء » « 1 » . وكأن الصوم يشذب شرّة المادية في الجسم الشاب . وإن تقليل الطعام يعنى تقليل وقود المادة ، فيقل السعار الذي يدفع الإنسان لارتكاب المعاصي . والصيام في رمضان يعطى الإنسان الاستقامة لمدة شهر ، ويلحظ الإنسان حلاوة الاستقامة فيستمر بها بعد رمضان . والحق لا يطلب منك الاستقامة في رمضان فقط ، إنما هو سبحانه قد اصطفى رمضان كزمن تتدرب فيه على الاستقامة لتشيع من بعد ذلك في كل حياتك ؛ لأن اصطفاء اللّه لزمان أو اصطفاء اللّه لمكان أو لإنسان ليس لتدليل الزمان ، ولا لتدليل المكان ، ولا لتدليل الإنسان ، وإنما يريد اللّه من اصطفائه لرسول أن يشيع أثر اصطفاء الرسول في كل الناس . ولذلك نجد تاريخ الرسل مليئا بالمشقة والتعب ، وهذا دليل على أن مشقة الرسالة يتحملها الرسول وتعبها يقع عليه هو . فاللّه لم يصطفه ليدلله ، وإنما اصطفاه ليجعله أسوة . وكذلك يصطفى اللّه من الزمان أياما لا ليدللها على بقية الأزمنة ، ولكن لأنه سبحانه وتعالى يريد أن يشيع اصطفاء هذا الزمان في كل الأزمنة ، كاصطفائه لأيام
--> ( 1 ) رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وأحمد والبيهقي .